شاهدٌ على الانتفاضة وتضحيات الشباب..عندما ولِد العراق تحت نصب الحرية في ساحة التحرير

شاهدٌ على الانتفاضة وتضحيات الشباب..عندما ولِد العراق تحت نصب الحرية في ساحة التحرير

 علي رياض

لم يكن الترقب كائناً غريباً عن المشهد، هو ابنه الشرعي، ابن الساعات الأولى لصباح الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019. أذكر كيف سكن هذا الموجود العجيب العيون التي تحملق فينا وتنتظر، أكبر في أوساط النخبة الثقافية العراقية، أوسع وهي تمتحن لأول مرة مدى جدية دعوات التظاهر التي سبقت ذلك اليوم بنحو أسبوع على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

دعوات، وكما جرت العادة، انقسمت الآراء حولها بين مخون وانتهازي، بين مستهزئ وقلق، أما المتفائلون فكانوا على كثرتهم قلّة.

لم يتجاوزوا بضعة ألوف مع بدء الاحتجاج، واجتياح ميدان التحرير أمر روتيني في العاصمة بغداد. شبان عاطلون عن العمل، مراهقون من ذوي الدخل المحدود، طلبة جامعيون وبعض حملة الشهادات العليا، يحضنون سماء الوطن التي عادت تمطر من كرمها، ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق التظاهرات، قنابل الغاز المسيل للدموع، ثم رصاص حي، ليسقط الشهيد الأول.

هناك انطلقت شرارة ثورة لم تضعها السلطة في الحسبان، وهؤلاء الفتية الذين قدموا من مناطق شعبية ذات كثافة سكانية عالية، كل واحد منهم يدرأ خلفه غابات بشرية هبت للنصرة، وما هي إلا ساعتان من الزمن حتى تحولت الألوف القليلة إلى عشرات الآلاف.

استمرت هستريا القمع، وصار الشهداء يتساقطون واحداً تلو الآخر، في ليلة حمراء قضاها الشبان في الساحة، بينما اتخذ آخرون أزقة حي البتاوين السحيق في محيط ساحة التحرير، ملاذًا ومسكنًا. وامتدت الاحتجاجات خارج التحرير لتأخذ أشكالًا جديدة، تمثلت في خروج سكان المناطق في مظاهرات فرعية صغيرة وقطعهم للطرق عند الشرايين الرئيسة بشرقي وشمالي العاصمة.

فيما ظلت النخبة رهينة ترقبها، وعلى عكس تظاهراتها الفولكلورية النخبوية، باشر المحتجون الشبان احتجاجهم صباح اليوم الثاني، ولم تستطع الإجراءات القمعية للحكومة منعهم من الوصول إلى ساحة التحرير، رغم عمليات الكر والفر العديدة التي رافقت ساعات الليل والنهار. حصيلة الشهداء والجرحى استمرت بالارتفاع، وكان سلاح القتل الأبرز هو قنابل الغاز الخارقة للجماجم، ثم ظهر القناص في اليوم الرابع للاحتجاج.

مجزرة هائلة ارتكبت بحق المحتجين، نفذها قناصة مجهولون، تحت غطاء حكومي وتواطؤ جبان منع السلطة حتى من تسميتهم، عامدة إلى طمس معالم الجريمة وحصر المعلومة من أن تخرج، بتعطيل خدمة الإنترنت في عموم العراق. كما اقتحم مسلحون آخرون عدداً من مقرات المنابر الإعلامية، محلية كانت أم دولية.

منذ هذه اللحظة انبلج القَسم: لن نهجر ساحة التحرير إلا والعراق مِلكٌ لنا، محركاً لعودتنا إلى الشارع يوم الـ25 من تشرين الأول/أكتوبر، بعد توقف حتمته أربعينية الإمام الحسين. ومنذ ذلك الحين، والتحرير قاعة عمليات كبيرة، في الهواء الطلق، تجري فيها العملية القيصرية لولاد الوطن الذي نحلم به. تتداخل فيها الثنائيات: الأرض والسماء والجغرافيا والتاريخ، لتصير كلاً واحداً، يوحدنا. هكذا وأنت تدخل ساحة التحرير من أي مدخل من مداخلها الثلاثة، من ساحة الطيران أو ساحة الخلاني أو شارع السعدون؛ يترصدك إحساس اتساق بين توزيع الشباب على الأرض وماهية الثورة التي نقودها.

تمتد خيم المعتصمين بدءاً من الشارع الرابط بين ساحتي الطيران والتحرير، وصولاً إلى حديقة الأمة التي على طرفها هناك نصب التحرير، فتتسع مساحة الخيم صانعة هرماً مقلوباً، قاعدته عند النصب. وتبدأ خيام الاعتصام في الشارع الآخر، شارع السعدون، محاذية للسلك الشائك لقوات الأمن منزوعة السلاح، وصولاً إلى دوار الساحة، وعلى طريقيّ الذهاب والعودة وفوق الرصيف بينهما، مشكّلة جناحي أرض المعركة، غربي وشرقي، تحمي مؤخرتها من أي اختراق، فيما منطقة التماس جنوباً على جسر الجمهورية الذي اصطبغ إسفلته بلون أحمر من دماء الشهداء، وحيث ارتقت روح أيقونة ثورة تشرين صفاء السراي. هناك كذلك تنتشر مخيمات أخرى تحاذي المطعم التركي من الجانب الأيمن لجسر الجمهورية.

وعلى اليمين كذلك، وإذا ما مررنا قدماً دون الانعطاف، سيكون أمامنا خياران، إما الدخول بنفق السعدون الذي يصل إلى منطقة السنك، أو المرور فوقه. النفق الذي تشهد جدرانه بطولها على يوميات الثورة، وبفنها تشكل معرضاً حياً متجدداً للوحات الجدارية، مؤرخة بصورة جمالية لتفاصيل الثورة الكثيرة. أما فوقه، فوق النفق تستأنف خيم الاعتصام انتشارها في الشارع بكثافة أقل، مخلفة الدوار وشارع السعدون وراءها.

ويمتد الشارع إلى ساحة الخلاني، وهنا تجد على يمينه محطة مواصلات مستحدثة بعد الثورة، خلية لوجيستية لا تهدأ، همها الأكبر هو استمرار إمداد الساحة بالدماء الجديدة و الحناجر الصادحة. ومن اليسار يبدأ الطريق إلى جسر السنك، حيث تنتشر مجموعة أخرى من الخيم، وطريق آخر، أكثر طولًا، بالاتجاه نفسه إلى ساحة الوثبة وجسر الاحرار، حيث الميدان الذي لا تفارقه المناوشات الليلية بين متظاهري الخطوط المتقدمة وقوات القمع.

بهذا الكيف ترتسم جغرافيا الثورة العراقية، على ساحة التحرير، التي تشكل في ذاتها الوطن المستقل والحر الذي ننادي بسيادته على كافة ربوع بلادنا الحبيبة، أو كما يحلو للثوار تسميته: "دولة تشرين"، التي تحمل كل أحلامهم.

دولة الانتفاضة 

دولة يوزع فيها الطعام والثياب مجانًا، وتنتشر فيها المفارز الطبية، ويتسابق فيها الشباب على تقاسم المهام بين من ينظف ومن يحتفل، ومن يطبب الجرحى ومن يرابط على السواتر مواجهاً كل القنابل غازية وصوتية وكل الرصاص حي ومطاطي. والفنانون بدورهم لم يفتهم أن يضيفوا لمستهم إلى الحياة الثورية في بغداد، فرسّاموهم صنعوا من النفق المذكور معرضاً حياً، وأهل المسرح والسينما افتتحوا لأنفسهم خيماً مخصصة للعروض المتنوعة.

قبل ذلك، ليلة الـ24 من تشرين الأول/أكتوبر، وبينما كل النخب السياسية عولت على انتهاء الاحتجاج بعد توقفه الأول، انبثق من رماده حدث أصاب الجميع بالصدمة، فعلى حين غرة عاد الثوار مجدداً للتحرير مستأنفين التظاهر، مجتاحين مبنى المطعم التركي، والذي تحول اسمه لاحقاً إلى "جبل أحد".

ومنذ الساعات الأولى من صباح يوم الـ25، لم يكن هناك متسع في ساحة التحرير وضواحيها للمزيد من الجموع بعد أن غصت الشوارع بالمحتجين. مع استمرار سقوط قنابل الغاز المسيل للدموع على الرؤوس وتهشميها، استمرت حصيلة الضحايا بالارتفاع، واستمرت مساحة الاحتجاج بالاتساع. اليوم، والشباب يستقبلون السنة الجديد مرابطين على الأرض، وبعد شهرين منذ أول اعتصام، متشبثين بعناد ملحمي بحقهم في الحياة، في وقت ما زالت الحكومة تتأرجح بين إجراءاتها البيروقراطية، وهواجسها الكتلية والطائفية التي تزيد شقاقًا مع صمود الثوار في التحرير وكل ربوع البلد؛ عازمين على ألا حياد عن الثورة، لا بالترهيب ولا القمع، ولا حتى باستقالة عادل عبد المهدي رئيس الوزراء.

مطالبنا كثوار واضحة ومحددة، أولها تغيير قانون الانتخابات ومفوضية الانتخابات وإنهاء المحاصصة الطائفية، يليها إجراء انتخابات مبكرة بإشراف أممي، قبل محاكمة المسؤولين عن دم الشهداء والمعطوبين: نحو 500 قتيل وأكثر من 20 ألف مصاب لن يضيع دمهم هذراً.

وكان يمكن للخوف أن يكون عاملًا فاصلًا في معادلة صراعنا، لولا أن كسرناه أول يوم بدماء أول شهيد. مرّت الأيام، وها نحن الآن شبان يواجهون الرصاص الحي بصدورهم هازئين. وتطوّر الوعي لدرجة أنه أصبح للمراهقين هم آخرَ، تراهم يناقشون الحدود الدستورية للتغير السياسي أو أنواع قوانين الانتخابات المعتمدة في أنحاء العالم. أما الهوية الوطنية العراقية، فلم تجد نفسها بين أفراد الشعب كما وجدت نفسها خلال ثورة تشرين.

الآن عاد صوت المحتجين أكثر حدة واشتد عودهم، والمرابطون على السواتر على خطوط التماس الساخنة اعتادوا الأقنعة والخوذ، واعتادت رئاتهم امتلائها بالغاز المسيل للدموع، كما الساحات وامتلاؤها بمفارز توزيع الطعام والشراب وعبوات الكولا والخميرة.

أما ميدان الاحتجاج والذي اقتصر سابقًا على ساحة التحرير، فامتد إلى شارع السعدون وساحة الطيران وساحة الخلاني وشاطئ دجلة في أطراف شارع أبو نؤاس، ثم إلى جسري السنك والأحرار وشارع الرشيد وحافظ القاضي وساحة الوثبة.

هذه هي الملحمة التي يخط سطورها شعب العراق، محولين ساحة التحرير إلى مزار عظيم يحج إليه العراقيون من كل ربوع البلاد. طقوس متعددة ضمها هذا الوطن المصغر، تناقضت بين الحزن والفرح، واجتمعت بالهوية والإيمان، تحفر وجودها بسواعد الشباب على حجر التاريخ الصلب. وتمده في ذاكرة الأطفال والمراهقين، الذي لعبوا في هذه الثورة دورًا كبيرًا، وثقفتهم الثورة وطنيًا حين عجز نظام التعليم العراقي على ذلك.

ولم يكن لغياب النخبة العراقية عن مشهد الثورة أثر يذكر، لكن حضور فئة من مثقفي البلاد بين المحتجين أبقى الأمل بالثقافة العراقية ومثقفيها قائمًا، يبعث أملًا آخر في إنتاج نخبة ثقافية ثورية جديدة، تصحح أخطاء سابقتها، ولا تتعالى بدورها عن شركائها في الهوية، ولا تتخذ الحياد السلبي ملاذًا للنجاة من لسان الثورة الحاد ويد السلطة الباطشة.

Top