قيامة دولة الرثاثة وحاويات الفساد..!

Tuesday 10th of December 2019 10:16:50 PM ,
العدد : 38
الصفحة : المقالات , متظاهر

 بقلم: متظاهر

كان واضحاً منذ عهد مختار العصر، صاحب" ما ننطيها" و"ولي الدم" أن قيامة نظام المحاصصة الطائفية والفساد والتعديات على المواطنين في ظل الانفلات غير المسبوق للمجاميع المسلحة خارج إطار دولة الرثاثة "اللادولة" آتٍ ولو بعد حين.

فما شهدته البلاد من استباحة كرامة العراقيين واستلاب إرادتهم، وتجريد وطنهم من عناصر وجودها والإمعان في إفقارهم ونهب ثرواتهم، ظلت تزداد بوتائر متسارعة، وتتسع ويلاتها لتشمل شرائح اجتماعية وقوىً كامنة بطيئة الاستجابة بطبيعتها للحراك السياسي، حتى بات كل مواطنة ومواطن هدفاً للاستلاب، والإفقار والمهانة والتهميش، لينتهي الأمر الى اغتصاب ما بقي من بقايا "الدولة الفاشلة"، وضياع الوطن..

ولم يكن ممكناً سَوق البلاد الى هذا المنحدر، لولا بنية النظام السياسي الذي اعتمدته الادارة المدنية للاحتلال، وتوافق القوى التي وجدت فرصتها المواتية لمصادرة الارادة الوطنية التي كانت تَتَطلع إلى تغيير ديمقراطي بعد عقود من الاضطهاد والاستبداد والعبث بثروات البلاد وتمزيق نسيجها الاجتماعي وتصديع وحدتها الوطنية.

وقد امكن تكريس هذا النهج في إعادة بناء الدولة المنهارة، على أنقاض ميراث عقودٍ من تفكيك بنية الدولة الوطنية الحديثة، وافراغ الحياة السياسية من كل مظاهر التمثيل الاجتماعي"الطبقي" وأي تجلٍ لها وتعبير عنها. 

إن التمهيد الذي اعتمده الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر بـ"تلفيق" ما سمي مجلساً للحكم، كان في أساس ما انحدرت اليه البلاد من اقتتالٍ طائفي، وتصفياتٍ على الهوية، ونزوعٍ نحو تغليب الهويات الفرعية، وتجذيرٍ للانقسام الطائفي. 

المظاهر الخادعة للأغلبية الصامتة، أوهمت الطبقة المتنفذة بان سلطتها في "أمان" ورياح التغيير لن تتمكن منها، وأنها قادرة على تخدير وعي العراقيين، بل

"وقاعدتها الشعبية" التي ادّعت تمثيلها "مذهبياً" بحريتها في أداء "شعائرها الحسينية" وما تضخه في محيطها من بدعٍ مسيئة لها، وتوظيف مناسباتها في الدعاية لقوائمها والتغطية على فسادها ونهبها وتشتيت وعيها الديني والمذهبي، حتى ان بعض دعاتها المعممين الخارجين عن نهج مرجعيتها العليا أمعنوا في الخديعة حين خاطبوا جمهور منابرها، "أن أعداء آل البيت يتآمرون لاسقاط سلطتهم التي انتظروها ألف واربعمائة سنة باتهام قيادتهم بالفساد والنهب" ويهيب بجمهور الموالين للإمام الحسين ان يردوا كيد أعداء الشيعة، ويؤكدوا تمسكهم ودفاعهم عن قيادتهم حتى وان سرقوا ونهبوا. يكفي اننا نملك حرية طقوسنا ومسيرتنا الحسينية..!

وجاءت عاصفة الاول من اكتوبر لتهز قناعاتهم، وتنبههم، الى "أن دار السيد لم تعد آمنة" خلافاً لما توهم نوري السعيد. لكن الطغمة الحاكمة، لم تنتبه الى أن النهوض الجماهيري الحامل لإرادة التغيير الذي انطلق من الجنوب والوسط وبغداد، من "حواضن الشيعة" هو من علامات قرب قيامتهم.

ولهذا استمرت الطبقة الحاكمة التي نخرها الفساد و"العث الاخلاقي" على غيّها وتكابرها وإمعانها في المماطلة والتسويف، وتمنّعها من الانصات لصوت الشارع العراقي الذي وحده شعار "نريد وطن" والاستجابة لمطالبه بالانزياح قبل أن تعصف بها، كما لا تدرك، حتى الآن رياح التغيير الشعبي، بارادتها السلمية وعنفوان مواصلتها التظاهر والاعتصام مهما كانت التضحيات. 

انها على ضلالٍ عظيم إذ تتوهم بان الانتفاضة، مجرد "سحابة صيف" سرعان ما ستنقشع، وأن، باقتدارها كسر ارادة الشعب، وإخضاعه بالخديعة والمناورة والتسويف ومعسول الكلام، واللجوء الى كل ما في جعبة الأنظمة المستبدة من رصيد أساليب ووسائل العنف والترويع والتصفيات الجسدية.

ومثل هذا الاستغراق بالأوهام، من شأنه تخدير وعيهم بالمخاطر التي تتهددهم، ولن تنال من ثقة المنتفضين بان قضيتهم عادلة، وهي لا محالة ستنتصر مهما أمعن حكام الصدفة والرثاثة في توسيع دائرة قمعهم واستعلائهم على الارادة الوطنية.

ولكي لا ينتقل الخدر والخديعة الى ساحات الاعتصام والتحرير، من المُلح مواصلة نضالهم السلمي، والسلمي وحده، وتجنب الانجرار الى مناورات القيادات المتنفذة والحذر من أذرعها المسلحة التي كشفت عن وجهها السافر باعتبارها ادوات حماية الفساد والفاسدين ، ولا علاقة لها بالوطنية والدفاع عن حياض الوطن.

لكن الاهم من ذلك وبذات الوسائل السلمية، عليها ان تبحث عن سياقٍ دستوري استثنائي يفكك ادوات تَحكم الطبقة السائدة بكتلها واحزابها ورموزها وميليشياتها، ويجعل من ميادين الحرية وساحات الاعتصام، مركز الشرعية الوحيد في رسم خارطة التغيير، وتطبيقها، للانتقال إلى المرحلة الانتقالية بكل مستلزماتها، من سلطة تشريع ، ورئيس سلطة تنفيذية ، ورئيس انتقالي .