أي سلمية مناهضة للعنف والقتل،أبلغ من ساحةالتحرير وشقيقاتها بما فيها من أسلحة الخلق والإبداع والجمال؟

Thursday 28th of November 2019 08:55:21 PM ,
العدد : 26
الصفحة : المقالات , متظاهر

يكتبها متظاهر

 من يستقبل  رصاصات الموت بصدر مفتوح وبيده حجارة او بقايا قنبلة دخانية ليعيدها  لاصحابها تجنباً لدخانها وسمومها، لا يخرب ولا يدمر ولا يحرق. فهو لا يحمل  سلاحًا غير إيمانه بعدالة قضيته ومشروعية مطاليبه التي يُكَفّلها له  الدستور الذي بُلي لكثرة عبث الطبقة السياسية الفاسدة بمضامينه، كلما رأت  فيه ما يتقاطع مع مصالحها في الهيمنة والانفراد بالسلطة ونهب ثروات العراق  والدوس على حقوق العراقيين  .

 

وهؤلاء المتظاهرون السلميون الذين يتساقط من بينهم كل يوم العشرات من الشهداء والمئات من المصابين والجرحى، ليسوا ممن يُباع ويُشترى في سوق النخاسة السياسية، لأن من يُباع ويُشترى، لا قضية له ولا ولاء، وليس مستعداً للتضحية بحياته،  يغير مواقفه وأهواءه وولاءاته حسب العرض والطلب والثمن، لانه بلا قيم وطنية، ولا إحساس بالمسؤولية، مجبولاً على الارتزاق في كل اتجاه .

 وتاريخ الحركة الوطنية بكل تياراتها شاهد على ذلك، وبضمنهم مجاهدي الحركة الاسلامية الذين استرخصوا دماءهم في مراحل النضال ضد الاستبداد والدكتاتورية، لم تفسدهم السلطة الجائرة التي تخلت عن قيمهم وشوهت حركتهم، وبين هؤلاء من انخرط في الحركة الاحتجاجية، يُجرح ويُستشهد منهم المئات كل يوم بعد أن بان زيف دعاوى قيادات الاحزاب والكتل والميليشيات الحاكمة التي كانوا ينتمون اليها ويدلون بأصواتهم لمرشحيها، ويخوضون المعارك السياسية منذ سقوط الطاغية لتزكية نهجهم الرث الهجين المجرّد من الوطنية. إن القاعدة الجماهيرية المجتمعية للحركة الاحتجاجية التي تحولت بفعل القمع غير المسبوق، والرفض المطلق لمطاليبها العادلة الى انتفاضة مباركة متحدية، بل الى ثورة شعبية، قد تعيد النظر في صياغة مفاهيم الثورة وقواها المحركة وطبيعة تحولاتها في رحم مجتمع تشوّهت بنيته وتعطّلت عملية تبلّور تكوينه الطبقي. ونظرة عابرة للمكونات المجتمعية المشاركة في الانتفاضة وجذورها الطبقية ومنابتها السكانية ستدرك بيسر أن الغالبية الساحقة منهم، ينحدرون من المدن المهمشة  الفقيرة المتآكلة حقوقهم واسباب معيشتهم على تعاقب الانظمة والحكومات المستبدة، وللطبقة السياسية السائدة النافذة، الدور الاكبر في تجريدهم من أبسط الحقوق، رغم إدعاءاتهم الباطلة بانها "ممثلتها الطائفية" وصمام الأمان لمصالحها وحريتها المذهبية..!

 هؤلاء المنتفضون هم آتون من مدينة الثورة وكل منافي الفقراء في بغداد والجنوب والفرات، من العاطلين والمعدمين. إنهم من أحفاد أبا ذر الغفاري وسلمان الفارسي، يفترشون أسمال أفرشة، يتعايشون مع أمراضهم وأسباب مجاعتهم، والخرائب والأوبئة التي تحيط بهم أنّا توجهت أنظارهم وقادتهم أقدامهم. فأين لمثل هؤلاء من سلاح وعتاد وأدوات حرق للممتلكات العامة والخاصة ولأبنية السفارة الايرانية في بغداد والنجف والمحافظات المنتفضة؟. وأين أجهزة الامن المسؤولة عن حماية الهيئات الدبلوماسية التي يُفتَرض أن تزداد حيطة وحذراً في مثل هذه الظروف الاستثنائية؟ . ولماذا لا تظهر التنظيمات المدججة بالسلاح  لتتوعد وتهدد الا بعد أن تشتعل الحرائق وتُدمّر المحلات والمباني التجارية  ، ولابد من اليقظة ازاء هذه المفارقة ، بالتأكيد على الطبيعة السلمية للانتفاضة والتمسك بها من جانب المتظاهرين لتجريد الميليشيات من فرصة انفلاتها واطلاق العنان لاسلحتها.؟ .

 إن للمنتفضين حقاً أسلحة لا تُشبه ولا تجاري أسلحة القتل والقنص والخنق بالقنابل الدخانية المحرمة دولياً التي هي بحوزة القوات الحكومية على اختلافها والتي يتسلل منها الطرف الثالث المعروف للقائد العام ومن يأتمرون بتوجيهاته. انها أسلحة إبداع وخلق وجمال تتوزع على امتداد ساحة التحرير وساحات الكرامة في المحافظات والمدن المنتفضة. سلاح الفن التشكيلي،  أدوات الرسم  والألوان التي ابتدعت جداريات وملصقات ولوحاتٍ أظهرت الطاقة الابداعية الخلاقة الكامنة عند الفنانين العراقيين، أضفت جمالاً فنياً على الأمكنة المهملة عجزت الدولة ومؤسساتها الضامرة عن الإتيان ببعضها. وسلاح الاغنية والأنشودة والإبداع الشعري وكل ما في الفنون والثقافة من طاقة الخلق والإبداع. وسلاح الثقافة، كتاباً وصحافة ومكتبات قراءة ومحاضرات وندوات وسوى ذلك من الفنون الشعبية. فأين السلاح الذي يلوح بوجوده احد قادة الميليشيات في مخازن على مقربة من ساحة التحرير ..!

 كان لحكومة السيد عادل عبد المهدي أن تحتفي بهذه الساحات التي أعادت الحياة والنظافة والجمال الى أمكنة شكلت في تاريخنا صروحاً بكل تمثلاتها، ويقدم منجزاتها برهاناً على قوة الخلق والانجاز لدى العراقيين، ويحولها الى مزارات لكوادر إدارة الدولة المتهرئة والحكومة المترنحة كنموذج للعمل. وليس توابيت تحمل الشهداء، وتكاتك تنقل الجرحى والمصابين. أماكن تُدخلها وزارة الثقافة الأسيرة منتهية الصلاحية في قائمة التراث الوطني وتبحث عن كيفية إدامتها وتوثيقها وتكريم مبدعيها .

هذه هي أسلحة المنتفضين في ساحة التحرير "أم الساحات ونموذجها" وكل شقيقاتها في المحافظات المنتفضة، موثقة كل يوم بالصورة والمشاهدة العيانية .

 إن مثل هذه الساحات الخلاقة،بامكاناتها وشبيبتها وناسها الواعدين بالمستقبل وأسلحة إبداعها وإحتفائها بالحياة لا للموت، هي القادرة على إستعادة وطن، وبناء دولة، وارساء أسس تداولٍ لسلطة ديمقراطية، مبنية على قاعدة المواطنة الحرة المتساوية، دولة الحريات والمؤسسات وحقوق الانسان، وسلطة جديرة بقامة عراقٍ الحضارات الممتدة عبر سبعة آلاف عام وليس ستة عشرة من الرثاثة والانحطاط والتخلف والسوقية في السلوك والأخلاق والسوية ..

والتاريخ مهما طال الزمن سينحاز الى مثل هذا العراق الفخور ببطولات شبيبته وجسارتهم وابداعهم وانحيازهم الى وطن حر سيد ..