القتل على الهوية.. الوطنية ..!

Thursday 21st of November 2019 08:32:27 PM ,
العدد : 19
الصفحة : المقالات , متظاهر

يكتبها: متظاهر

هذا الصعود  الوطني غير المسبوق، يكشف عن كَم الاستباحات التي ارتكبتها الطبقة المتنمرة  الحاكمة. فالمعاصي التي شابت ممارساتها منذ مصادرتها ارادة الوطن ظلت  تُمررها تحت غطاء شرعية تمثيل الاكثرية المكوناتية، وساعدتها على ذلك  الالتباسات والتعقيدات التي تعرض له الوضع ما بعد سقوط نظام البعث بكل إرثه  الاستبدادي الاقصائي، والانقسام الاجتماعي المكوناتي وما رافقه من  التجاذبات السياسية.

 ولم يكن ذلك بمعزل عن الاستقطاب العربي - الاقليمي المعادي للتغيير واحتضان الفصائل الارهابية المتكونة من بقايا النظام السابق واجهزته وحزبه، ومن تجمعاتٍ اتخذت منحىً طائفياً يثير الشبهات حول كونها امتدادا لسلطة البعث، ومحاولتها توريط مكون "بريء" كما لو انه قاعدة للنظام المنهار والتعامل معه كحاضنة للارهاب. وقد أدى ذلك الى استقطاب طائفي، وتخندق في مواجهة الآخر. وفي مثل هذه البيئة التشكيكية التخوينية، التي تغذّت من ركام استبداد البعث، جاءت قرارات الحاكم المدني للاحتلال بول بريمر لتعمق الهوة بين مكونات الشعب العراقي ولتكرس نظاماً طائفياً إقصائياً يحمل بذور استبدادٍ مخادعٍ بادعاء آبائه تمثيلهم لطوائف المكونات العراقية. ومن هذه البوابة الواسعة دخلت ايران على خط الصراع وتمدد نفوذها ليشكل العراق قاعدة متقدمة لها في مواجهة عدوها الستراتيجي الولايات المتحدة الاميركية وحلفائها في المنطقة. ومما عزز مواقعها وستراتيجيتها العداء الإقليمي والعربي "الطائفي" المكشوف للنظام الجديد والنيل من شرعيته التمثيلية والعمل في المحافل العربية والدولية لعزله تمهيداً لإسقاطه .

لعبت تلك العوامل الخارجية الضاغطة، والتجاذبات الداخلية المعقدة، والاصطفاف الطائفي، مظلةً لتكريس سلطة الطبقة المتسيّدة الجديدة ولنفوذها في كل مرافق وهياكل بقايا دولة منهارة، ولهيمنتها على تحديد مستقبل "العراق الجديد"  في إطارٍ طائفي محاصصي، لتتعمق هذه الهيمنة مع ازدياد سطوة أذرعها المسلحة المنفلتة، واتساع دائرة الصراع والمواجهة الطائفية وتزايد نشاط المنظمات الارهابية، القاعدة وعشرات التكوينات المسلحة المدعومة، والانحدار الى هوّة الاقتتال على الهوية والتهديد بانزلاق البلاد الى الحرب الاهلية.

إن بيئة صعود هذه الطبقة المُغَفّلة سياسياً والمتهرّئة اجتماعياً وانغماسها في عمليات النهب والفساد والامتيازات والانغلاق على نفسها، جعلها في حالة عزلة خانقة، عن قاعدتها الاجتماعية الطائفية، التي صارت موضوع استغلالٍ واهمالٍ وتعدياتٍ، وباتت تعيش شرائح متزايدة منها هدفاً للفقر والأوبئة والبطالة وانعدام أبسط منظومات الخدمات، لينتهي الامر بها الى اكتشاف طبيعة الحاكمين باسمها، بوصفهم لصوصاً ومشرّعي فسادٍ وأوباش نهجٍ يعتاش على السحت ومصادرة ارادة الناس وكرامتهم وتجريد الوطن من اي مقوِّم من مقومات السيادة والاستقلال وحرية خيارات تطوره .

لكن هذا الوعي واكتشاف الذات لم يتكون بلا تضحيات وخسائر كارثية في ثرواته الوطنية وارواح ابنائه. فقد تطلّب ذلك سلسلة متصلة من النهب وتخريب اقتصاديات البلد وتشويه مؤسسات بقايا الدولة المتصدعة، والأكثر كارثية في تلك السلسلة التي لم تنقطع حتى هذا اليوم، تمثّل في القتل على الهوية، الهوية الطائفية، والهوية الدينية، والهوية المكوناتية القومية، لتفتعل هوية بين الهويات وتستهدف بها شرائح مجتمعية واسعة طالت، الحلاقين، والشبيبة "المتهتكة" بملابسها وتصفيفات شعرها، وموسيقاها المفضلة، ثم لتستهدف باعة الخمور واصحاب النوادي الليلية غير المسجلة، اي التي لا تدفع الإتاوات "للطرف الثالث" ضمن تشكيلات اللجان الاقتصادية للاحزاب الحاكمة وميليشياتها المنفلتة ..

لكنها وقد كانت تعيش أعراس نهبها وفسادها وتسلطها واستباحاتها، غَفِلت عن قوانين الصراع ومساراته وتطوره من حالٍ الى حال، وتتوهم أن سلطتها قائمة، وتجبّرها عصيًّ أمام التحديات الشعبية، وادواتها وتمثلاتها الدينية والمذهبية باتت مكشوفة عارية حتى من ورقة توت ذابل ..

ومقتلها تمثّل في إنكارها أن ساعة قيامة العراقيين آتية لا ريب فيها، وستنبثق من منبتها نفسه، حيث ما كانت تعتقد انها حاضنته الامينة ..

ولم تجد في هذه المرة، بعد أن اوغلت في دم العراقيين بكل اشكال القتل على الهويات، سوى القتل على الهوية الوطنية .

وفي هذه النهاية لم تواجه أعداء وهميين، بل حملة مشاعل الحرية والعلم العراقي، وشعار نريــد وطن ...!